بيان الأفضل من الصبر والشكر (4/4)
Sabır ile şükürden hangisinin daha faziletli olduğunun beyanı (4/4)
أيضا إلا أن القوة التي عنها يصدر صبر الفقير أعلى وأتم من هذه القوة التي
يصدر عنها الاقتصار في التنعم على المباح والشرف لتلك القوة التي يدل العمل
عليها فإن الأعمال لا تراد إلا الأحوال القلوب وتلك القوة حالة للقلب تختلف
بحسب قوة اليقين والإيمان فما دل على زيادة قوة في الإيمان فهو أفضل لا
محالة وجميع ما ورد من تفضيل أجر الصبر على أجر الشكر في الآيات والأخبار
إنما أريد به هذه الرتبة على الخصوص لأن السابق إلى أفهام الناس من النعمة
والأموال الغنى بها والسابق إلى الأفهام من الشكر أن يقول الإنسان الحمد
لله ولا يستعين بالنعمة على المعصية لا أن يصرفها إلى الطاعة فإذن الصبر
أفضل من الشكر أي الصبر الذي تفهمه العامة أفضل من الشكر الذي تفهمه العامة
وإلى هذا المعنى على الخصوص أشار الجنيد رحمه الله حيث سئل عن الصبر والشكر
أيهما أفضل فقال ليس مدح الغني بالوجود ولا مدح الفقير بالعدم وإنما المدح
في الاثنين قيامهما بشروط ما عليهما فشرط الغنى يصحبه فيما عليه أشياء
تلائم صفته وتمتعها وتلذذها والفقير يصحبه فيما عليه أشياء تلائم صفته
وتقبضها وتزعجها فإذا كان الاثنان قائمين لله تعالى بشرط ما عليهما كان
الذي ألم صفته وأزعجها أتم حالا ممن متع صفته ونعمها
والأمر على ما قاله وهو صحيح من جملة أقسام الصبر والشكر في القسم الأخير
الذي ذكرناه وهو لم يرد سواه
ويقال كان أبو العباس بن عطاء قد خالفه في ذلك وقال الغني الشاكر أفضل من
الفقير الصابر فدعا عليه الجنيد فأصابه ما أصابه من البلاء من قتل أولاده
وإتلاف أمواله وزوال عقله أربع عشرة سنة فكان يقول دعوة الجنيد أصابتني
ورجع إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر
ومهما لاحظت المعاني التي ذكرناها علمت أن لكل واحد من القولين وجها في
بعض الأحوال فرب فقير صابر أفضل من غني شاكر كما سبق ورب غني شاكر أفضل من
فقير صابر وذلك هو الغني الذي يرى نفسه مثل الفقير إذ لا يمسك لنفسه من
المال إلا قدر الضرورة والباقي يصرفه إلى الخيرات أو يمسكه على اعتقاد أنه
خازن للمحتاجين والمساكين وإنما ينتظر حاجة تسنح حتى يصرف إليها ثم إذا صرف
لم يصرفه لطلب جاه وصيت ولا لتقليد منه بل أداء الحق الله تعالى في تفقد
عباده فهذا أفضل من الفقير الصابر
فإن قلت فهذا لا يثقل على النفس والفقير يثقل عليه الفقر لأن هذا يستشعر
لذة القدرة وذاك يستشعر ألم الصبر فإن كان متألما بفراق المال فينجبر ذلك
بلذته في القدرة على الإنفاق فاعلم أن الذي تراه أن من ينفق ماله عن رغبة
وطيب نفس أكمل حالا ممن ينفقه وهو بخيل به وإنما يقتطعه عن نفسه قهرا
وقد ذكرنا تفصيل هذا فيما سبق من كتاب التوبة فإيلام النفس ليس مطلوبا
لعينه بل لتأديبها وذلك يضاهي ضرب كلب الصيد والكلب المتأدب أكمل من الكلب
المحتاج إلى الضرب وإن كان صابرا على الضرب ولذلك يحتاج إلى الإيلام
والمجاهدة في البداية ولا يحتاج إليهما في النهاية بل النهاية أن يصير ما
كان مؤلما في حقه لذيذا عنده كما يصير التعلم عند الصبي العاقل لذيذا وقد
كان مؤلما له أولا ولكن لما كان الناس كلهم إلا الأقلين في البداية بل قبل
البداية بكثير كالصبيان أطلق الجنيد القول بأن الذي يؤلم صفته أفضل وهو كما
قال صحيح فيما أراده من عموم الخلق فإذن إذا كنت لا تفصل الجواب وتطلقه
لإرادة الأكثر فأطلق القول بأن الصبر أفضل من الشكر فإنه صحيح بالمعنى
السابق إلى الأفهام فإذا أردت التحقيق ففصل فإن للصبر درجات أقلها ترك
الشكوى مع الكراهية ووراءها الرضا وهو الرضا وهو مقام وراء الصبر ووراءه
الشكر على البلاء وهو وراء الرضا إذ الصبر مع التألم والرضا يمكن بما لا
ألم فيه ولا فرح والشكر لا يمكن إلا على محبوب مفروح به وكذلك الشكر درجات
كثيرة ذكرنا أقصاها ويدخل في جملتها أمور دونها فإن حياء العبد من تتابع
نعم الله عليه شكر ومعرفته بتقصيره عن الشكر شكر والاعتذار من قلة الشكر
شكر والمعرفة بعظيم حلم الله وكنف ستره شكر والاعتراف بأن النعم ابتداء من
الله تعالى من غير استحقاق شكر والعلم بأن الشكر أيضا نعمة من نعم الله
وموهبة منه شكر وحسن التواضع للنعم والتذلل فيها شكر وشكر الوسائط شكر إذ
قال عليه السلام من لم يشكر الناس لم يشكر الله (1) وقد ذكرنا حقيقة ذلك في
كتاب أسرار الزكاة وقلة الاعتراض وحسن الأدب بين يدي المنعم شكر وتلقي
النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر
وما يندرج من الأعمال والأحوال تحت اسم الشكر والصبر لا تنحصر آحادها وهي
درجات مختلفة فكيف يمكن إجمال القول بتفضيل أحدهما على الآخر إلا على سبيل
إرادة الخصوص باللفظ العام كما ورد في الأخبار والآثار
وقد روي عن بعضهم أنه قال رأيت في بعض الأسفار شيخا كبيرا قد طعن في السن
فسألته عن حاله فقال إني كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم لي وهي كذلك كانت
تهواني فاتفق أنها زوجت مني فليلة زفافها قلت تعالى حتى نحيي هذه الليلة
شكرا لله تعالى على ما جمعنا فصلينا تلك الليلة ولم يتفرغ أحدنا إلى صاحبه
فلما كانت الليلة الثانية قلنا مثل ذلك فصلينا طول الليل فمنذ سبعين أو
ثمانين سنة نحن على تلك الحالة كل ليلة أليس كذلك يا فلانة قالت العجوز هو
كما يقول الشيخ فانظر إليهما لو صبرا على بلاء الفرقة أو لو لم يجمع الله
بينهما وانسب صبر الفرقة إلى شكر الوصال على هذا الوجه فلا يخفى عليك أن
هذا الشكر أفضل فإذن لا وقوف على حقائق المفضلات إلا بتفضيل كما سبق والله
أعلم
Türkçe Tercüme
الصبر والشكرُ في تفاضلهما موضوعٌ عميق. القوة التي منها يصدر صبر الفقير أرفع وأتمّ من تلك التي يصدر عنها الاقتصار على المباح في التنعم والشرف؛ لأن الأعمال إنما تُقيّم بأحوال القلوب، وتلك القوة حالة قلبية تختلف بحسب قوة اليقين والإيمان. فما دلّ على زيادة قوة الإيمان فهو أفضل لا محالة. وجميع ما ورد من تفضيل أجر الصبر على أجر الشكر في الآيات والأخبار إنما يُقصد به هذه الرتبة على الخصوص؛ لأن ما يسبق إلى أفهام الناس من النعم والأموال هو الاستغناء بها، وما يسبق إلى أفهامهم من الشكر أن يقول الإنسان "الحمدُ لله" ولا يستعين بالنعمة على المعصية، لا أن يصرفها إلى الطاعة. فالصبر الذي تفهمه العامة إذن أفضل من الشكر الذي تفهمه العامة.
إلى هذا المعنى أشار الجنيد رحمه الله حين سُئل أيهما أفضل. فقال: ليس المدح في غنى الموسر بوجوده ولا في فقر المسكين بعدمه، وإنما المدح في قيامهما معاً بشروط ما عليهما. فللغني أشياء تلائم صفته وتمتعه وتلذذه، وللفقير أشياء تلائم صفته وتقبضه وتزعجه. فإذا قام الاثنان لله بشرط ما عليهما، كان من أزعجت صفته أتمّ حالاً ممن نعّمت صفته.
لكن يُروى أن ابن عطاء خالفه وقال: الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. فدعا عليه الجنيد فأصابه البلاء: قتل أولاده وإتلاف أمواله وزوال عقله أربع عشرة سنة، حتى عاد إلى تفضيل الفقير الصابر.
لكن إذا لاحظت المعاني بدقة، علمت أن لكل قول وجهاً. فقد يكون الفقير الصابر أفضل، وقد يكون الغني الشاكر أفضل إن كان يرى نفسه كالفقير: لا يمسك إلا قدر ضرورته، والباقي يصرفه للخيرات أو يمسكه اعتقاداً منه أنه خازن للمحتاجين. هذا الغني أفضل من الفقير الصابر.
فإن قلت: الفقر يثقل لكن هذا الغني يستشعر لذة الإنفاق، فاعلم أن من ينفق برغبة وطيب نفس أكمل حالاً ممن ينفق وهو بخيل به يقتطعه قهراً. فإيلام النفس ليس مطلوباً لعينه بل لتأديبها. هذا يشبه ضرب كلب الصيد: الكلب المؤدب أكمل من الذي يحتاج الضرب، وإن كان صابراً عليه. لكن الناس في البداية كالصبيان، فأطلق الجنيد القول بأن من يؤلم صفته أفضل، وهو صحيح في عموم الخلق. فإذا أطلقت القول بأن الصبر أفضل فهو صحيح بالمعنى السابق إلى الأفهام. وإذا أردت التحقيق ففصّل؛ فللصبر درجات: الحد الأدنى ترك الشكوى مع الكراهية، ثم الرضا وهو مقام وراءه، ثم الشكر على البلاء وهو وراء الرضا. فالصبر فيه تألم، والرضا بما لا تألم فيه، والشكر لا يكون إلا على محبوب مفروح به.
وللشكر درجات كثيرة: حياء العبد من تتابع نعم الله شكر، ومعرفته بتقصيره شكر، والاعتذار من قلة الشكر شكر، والمعرفة بحلم الله وستره شكر، والاعتراف بأن النعم ابتداء من الله بلا استحقاق شكر، والعلم بأن الشكر نفسه نعمة شكر، والتواضع والتذلل فيها شكر، وشكر الوسائط شكر كما قال عليه الصلاة والسلام: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"، وقلة الاعتراض وحسن الأدب عند المنعِم شكر، وتلقي النعم بحسن القبول واستعظام صغيرها شكر.
فالأعمال والأحوال التي تندرج تحت الصبر والشكر لا تنحصر، وهي درجات مختلفة. فكيف يمكن إجمال التفضيل إلا بإرادة الخصوص باللفظ العام كما ورد في الأخبار؟
روي أن رجلاً قال: رأيت شيخاً كبيراً فسألته عن حاله فقال: كنت في ابتداء عمري أهوى ابنة عم، وهي تهواني، فلما زُوجت مني قلت: تعالي نحيي هذه الليلة شكراً لله على اجتماعنا. فصلينا الليل ولم نتفرغ أحدنا للآخر. وصرنا على هذا سبعين أو ثمانين سنة. فانظر: لو صبرا على بلاء الفرقة، ثم انسب صبر الفرقة إلى شكر الوصال، لا يخفى عليك أن هذا الشكر أفضل. فلا سبيل إلى حقائق المفضلات إلا بالتفصيل، وال
Yapay zekâ destekli tercümedir; ilmî çalışmalar için aslına başvurunuz.