فصل
Fasıl
وفي اللحية عشر خصال مكروهة وبعضها أشد كراهة من بعض خضابها
بالسواد وتبييضها بالكبريت ونتفها ونتف الشيب منها والنقصان منها
والزيادة وتسريحها تصنعا لأجل الرياء وتركها شعثة إظهارا للزهد والنظر إلى
سوادها عجبا بالشباب وإلى بياضها تكبرا بعلو السن وخضابها بالحمرة والصفرة
من غير نية تشبها بالصالحين
أما الأول وهو الخضاب بالسواد فهو منهي عنه لقوله صلى الله عليه وسلم خير
شبابكم من تشبه بشيوخكم وشر شيوخكم من تشبه بشبابكم (1) والمراد بالتشبه
بالشيوخ في الوقار لا في تبييض الشعر ونهى عن الخضاب بالسواد (2) وقال هو
خضاب أهل النار (3) وفي لفظ آخر الخضاب بالسواد خضاب الكفار وتزوج رجل على
عهد عمر رضي الله عنه وكان يخضب بالسواد فنصل خضابه وظهرت شيبته فرفعه أهل
المرأة إلى عمر رضي الله عنه فرد نكاحه وأوجعه ضربا وقال غررت القوم
بالشباب ولبست عليهم شيبتك ويقال أول من خضب بالسواد فرعون لعنه الله وعن
ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون في آخر
الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (4)
الثاني الخضاب بالصفرة والحمرة وهو جائز تلبيسا للشيب على الكفار في
الغزو والجهاد فإن لم يكن على هذه النية بل للتشبه بأهل الدين فهو مذموم
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفرة خضاب المسلمين والحمرة خضاب
المؤمنين (5) وكانوا يخضبون بالحناء للحمرة وبالخلوق والكتم للصفرة وخضب
بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو وذلك لا بأس به إذا صحت النية ولم يكن فيه
هوى وشهوة
الثالث تبييضها بالكبريت استعجالا لإظهار علو السن توصلا إلى التوقير
وقبول الشهادة والتصديق بالرواية عن الشيوخ وترفعا عن الشباب وإظهارا لكثرة
العلم ظنا بأن كثرة الأيام تعطيه فضلا وهيهات فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا
جهلا فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها ومن كانت غريزته
الحمق فطول المدة يؤكد حماقته وقد كان الشيوخ يقدمون الشباب
بالعلم
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم ابن عباس وهو حديث السن على أكابر
الصحابة ويسأله دونهم
وقال ابن عباس رضي الله عنهما ما آتى الله عز وجل عبدا علما إلا شابا
والخير كله في الشباب ثم تلا قوله عز وجل {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له
إبراهيم} وقوله تعالى {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} وقوله تعالى
{وآتيناه الحكم صبيا} وكان أنس رضي الله عنه يقول قبض رسول الله صلى الله
عليه وسلم وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء فقيل له يا أبا حمزة فقد
أسن فقال لم يشنه الله بالشيب فقيل أهو شين فقال كلكم يكرهه (1) ويقال إن
يحيى بن أكثم ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل في مجلسه
يريد أن يخجله بصغر سنه كم سن القاضي أيده الله فقال مثل سن عتاب بن أسيد
حين ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة مكة وقضاءها فأفحمه (2) وروي
عن مالك رحمه الله أنه قال قرأت في بعض الكتب لا تغرنكم اللحى فإن التيس له
لحية وقال أبو عمرو بن العلاء إذا رأيت الرجل طويل القامة صغير الهامة عريض
اللحية فاقض عليه بالحمق ولو كان أمية بن عبد شمس وقال أيوب السختياني
أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه
وقال علي بن الحسين من سبق فيه العلم قبلك فهو إمامك فيه وإن كان أصغر
سنا منك وقيل لأبي عمرو بن العلاء أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير فقال
إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به وقال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل وقد
رآه يمشي خلف بغلة الشافعي يا أبا عبد الله تركت حديث سفيان بعلوه وتمشي
خلف بغلة هذا الفتى وتسمع منه فقال له أحمد لو عرفت لكنت تمشي من الجانب
الآخر إن علم سفيان إن فاتني بعلو أدركته بنزول وإن عقل هذا الشاب إن فاتني
لم أدركه بعلو ولا نزول
الرابع نتف بياضها استنكافا من الشيب وقد نهى عليه السلام عن نتف الشيب
وقال هو نور المؤمن (3) وهو في معنى الخضاب بالسواد وعلة الكراهية ما سبق
والشيب نور الله تعالى والرغبة عنه رغبة عن النور
الخامس نتفها أو نتف بعضها بحكم العبث والهوس وذلك مكروه ومشوه للخلقة
ونتف الفنيكين بدعة وهما جانبا العنفقة
شهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته ورد عمر بن
الخطاب رضي الله عنه وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته
وأما نتفها في أول النبات تشبها بالمرد فمن المنكرات الكبار فإن اللحية
زينة الرجال فإن لله سبحانه ملائكة يقسمون والذي زين بني آدم باللحى وهو من
تمام الخلق وبها يتميز الرجال عن النساء وقيل في غريب التأويل اللحية هي
المراد بقوله تعالى {يزيد في الخلق ما يشاء} قال أصحاب الأحنف بن قيس وددنا
أن نشتري للأحنف لحية ولو بعشرين ألفا وقال شريح القاضي وددت أن لي لحية
ولو بعشرة آلاف وكيف تكره اللحية وفيها تعظيم الرجل والنظر إليه بعين العلم
والوقار والرفع في المجالس وإقبال الوجوه إليه والتقديم على الجماعة ووقاية
العرض فإن من يشتم يعرض باللحية إن كان للمشتوم لحية وقد قيل إن أهل الجنة
مرد إلا هارون أخا موسى صلى الله عليهما وسلم فإن له لحية إلى سرته تخصيصا
له وتفضيلا
السادس تقصيصها كالتعبية طاقة على طاقة
للتزين للنساء والتصنع قال كعب يكون في آخر الزمان أقوام يقصون لحاهم
كذنب الحمامة ويعرقبون نعالهم كالمناجل أولئك لا خلاق لهم
السابع الزيادة فيها وهو أن يزيد في شعر العارضين من الصدغين وهو من شعر
الرأس حتى يجاوز عظم اللحى وينتهي إلى نصف الخد وذلك يباين هيئة أهل الصلاح
الثامن تسريحها لأجل الناس قال بشر في اللحية شركان تسريحها لأجل الناس
وتركها متفتلة لإظهار الزهد
التاسع والعاشر النظر في سوادها أو في بياضها بعين العجب وذلك مذموم في
جميع أجزاء البدن بل في جميع الأخلاق والأفعال على ما سيأتي بيانه فهذا ما
أردنا أن نذكره من أنواع التزين والنظافة وقد حصل من ثلاثة أحاديث من سنن
الجسد اثنتا عشرة خصلة خمس منها في الرأس وهي فرق شعر الرأس (1) والمضمضة
والاستنشاق (2) وقص الشارب والسواك وثلاثة في اليد والرجل وهي القلم وغسل
البراجم وتنظيف الرواجب (3) وأربعة في الجسد وهي نتف الإبط والاستحداد
والختان والاستنجاء بالماء فقد وردت الأخبار بمجموع ذلك وإذا كان غرض هذا
الكتاب التعرض للطهارة الظاهرة دون الباطنة فلنتقصر على هذا وليتحقق أن
فضلات الباطن وأوساخه التي يجب التنظيف منها أكثر من أن تحصى وسيأتي
تفصيلها في ربع المهلكات مع تعريف الطرق في إزالتها وتطهير القلب منها إن
شاء الله عز وجل
تم كتاب أسرار الطهارة بحمد الله تعالى وعونه
ويتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أسرار الصلاة والحمد لله وحده وصلى الله
على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى
Türkçe tercüme hazırlanıyor… (ilk açılışta 15-30 saniye sürebilir)